مصطفى مسلم
60
مباحث في إعجاز القرآن
من بين أصابعه ، ليتوصل بإنكار معجزات نبينا عليه السلام إلى إنكار نبوته ، ثم إنه استثقل أحكام شريعة الإسلام في فروعها ، ولم يجسر على إظهار رفعها فأبطل الطرق الدالة عليها ، فأنكر لأجل ذلك حجية الإجماع ، وحجية القياس في الفروع الشرعية ، وأنكر الحجة من الأخبار التي لا توجب العلم الضروري . ثم إنه علم إجماع الصحابة على الاجتهاد في الفروع الشرعية فذكرهم بما يقرؤها غدا في صحيفة مخازيه ، وطعن في فتاوى أعلام الصحابة رضي اللّه عنهم ، وجميع فرق الأمة من فريقي الرأي والحديث ) « 1 » . وتدل سيرة النظام على أنه كان على جانب كبير من الذكاء ، يروي عن الجاحظ قوله : ( كان الأوائل يقولون في كل ألف سنة رجل لا نظير له فإن كان ذلك صحيحا فهو النظام ) « 2 » . ولكنه لم يستعمل ذكاءه هذا في خدمة الشريعة والبحث فيها لإبراز أسرارها ولكشف حكمها ومكنوناتها ، بل كان مسيئا إليها مستخفا بأوامر الدين غير متمسك بالأحكام شديد الجرأة على المحدثين ، قليل الإيمان بصحة الحديث ، ولا يرى غضاضة في ردّ الحديث والطعن في راويه ولو كان صحابيا ، لأنه لم يوافق عقله أو بالأحرى هواه . ويقال إنه ألف كتابا سماه « كتاب النكت » انتصر فيه لكون الإجماع ليس بحجة ، فاضطره ذلك إلى أن يذكر عيوب الصحابة ويوجّه إلى كل واحد منهم طعنا . يقول عنه ابن قتيبة « 3 » : ( وجدنا النظام شاطرا من الشطار يغدو على سكر ويروح على سكر ويبيت على جرائرها ويدخل في الأدناس ويرتكب الفواحش والشائنات ، وهو القائل : ما زلت آخذ روح الزقّ في لطف * وأستبيح دما من غير مجروح
--> ( 1 ) « الفرق بين الفرق » للبغدادي ، ص 131 - 132 . وقد ذكر البغدادي عشرين قضية من انحرافاته وسماها فضائح ، ومن أراد الاطلاع على مزيد من فضائحه فليراجع « الفرق بين الفرق » من ص 131 - 150 . ( 2 ) « ضحى الإسلام » لأحمد أمين ، 3 / 118 . ( 3 ) انظر كتابه « تأويل مختلف الحديث » ص 25 .